أحلامٌ لم تأتِ

ظنّ ذاكَ الطفلُ عندما بدأ ببناءِ أحلامِه، أنّ تحقيقها واجبُ الحصُول، وظنّ ذاك الطاعِنُ في السنِّ أن الأحلامَ مضيعةٌ للوقتِ والجُهدْ. فبَين هذا وذاك توجدُ أحلامُنا؛ فمِنها ما تتحقّق، ومنها أحلامٌ لا تأتي، وأُخرى تتأخرُ بالوصول

في أحد الأيام، استَظل طِفلُنا تحتَ شجرةٍ حديثة الغَرس، مثلَ قلبهِ وصِبا عقلِه، و كان بيدهِ قلمٌ وكتاب. بدأ بملءِ فراغِ وقتهِ وصفحاتِ الكتاب بما امتلأ به قلبُه؛ رغباتٍ، وأمنياتٍ، وأحلام
كان يفتحُ كتابهُ بين الحين والآخر، حتّى أصبَح روتيناََ يومياََ أن يتصفّحهُ ويَعِدُ نفسَه بتحقِيقها

مرّ وقتٌ طويل.. وبدأت الدُّنيا برَمي أحمالِها علَيه، صارَ مشغُولاً، شاردَ الذِّهن مُعظم الأوقات، يُفكّر كيف ينجِزُ هذا العمَل، وكيفَ يُنهي ذاك. في بدايةِ الأمرِ كانَ يُحاول جاهداً أنْ يُزاحمَ أحلامَه بين أعمالِه، وألا يكسِر عادتَه القديمة في تصفُّح كتابِ طفولتِه الذي أسمَاهُ ‘كتابَ الأحلام’، كانَ يقضي وقتاً ممتعاً عِندما يفعلُ ذلك، كان يلجأُ إليه، كبُستان ورد في منتَصفِ صَحراء حياتِه، ولكن.. بعد فترةٍ من الزمن ليست بقصيرة، لمْ يَعد كذلك؛ حيثُ أصبح يُشغِل نفسَه عن قراءتِه، يتحَاشى حتّى النظر إليه، أصبَح كتابُ الأحلام في الأحلام! كان النظر إليه لا يُذكره بشيءٍ سِوى أنّ أحلامَه لم تأتِ، وأنّه لم يستَطع تحقِيقها

فبدأ أملُه بالتّلاشي، وذاكَ الطِّفل الذي يسكُن داخِلَهُ بالموت

حتّى أصبحَ شيخاً كبيراً في السنِّ يمشِي بين الطُّرقات، يرى الأطفال الذين شرعُوا في بناءِ أحلامِهم وآمالِهم ويُخبرهم بأنّها مضيعة للوقتِ والجهد